شريهان كوكو شانيل، عمل مسرحي بمستوى عالمي


شريهان.. في إعلان فودافون، فاجأتنا بعودتها، أسعدتنا في لمحة إعلانية أعادت لنا ذكريات جميلة لا تنسى. كنا متشوقين نشوفها، وندقق فيها وفي ملامحها وفي صوتها. هل تغيرت بعد كل تلك السنين؟ هل سنعرفها ونشعر بها مثل ما عرفناها وشعرنا بها في طفولتنا؟ وأكيد للوهلة الأولى بتعتقد إنها تغيرت ولكن بعد لحظات بتشعر فيها هي هي، وبتشوف روحها وفنها واحترافها زي ما كانت وأحسن كمان، ويتركنا الإعلان مبسوطين ولكن مش شبعانين منها.وبعدين شريهان..

في مسرحية كوكو شانيل، عمل فني على مستوى عالمي. عمل ممكن يحمل اسم شريهان وممكن يعرف عنها أكثر من أي شي عملته في الماضي، عمل أكبر من الفوازير والاستعراضات وكل المسرحيات التي شاركت فيها في السابق. كل تفصيلة مشغول عليها، ولا لقطة ابتذال. عمل مشغول للفن وعشان الفن، وهو مش بس مسرحية بانتاج ضخم يناسب عودة فنانة بحجم شريهان للساحة الفنية، بل عمل يضيف إلى تاريخها وتاريخ المسرح المصري والعربي. لا أعتقد أن المسرح المصري شهد عملا بهذا المستوى من الاتقان من قبل. في كوكو شانيل شفنا شريهان وحسيناها وشميناها وتذوقناها وحضناها. لم تحرك كافة حواسنا فقط بل أيضاً حركت عواطف من الماضي وأحلام ماتت فينا وارتقت بذوقنا بفنها وأناقة كوكو شانيل وخشبة مسرح يقر بأن هذا اللون من الفن خالد لن يموت.

شريهان نذكرها من زمن العمالقة.. اليوم هي العملاقة.. هي “الفنانة” بأعمق معاني الكلمة وأبعادها.

حقيبة لانا ناصر الحمراء إبداع حقيقي وعمق إنساني


لانا ناصر في الحقيبة الحمراء

ينتابني عادة نوع من الانبهار عند رؤيتي لإمرأة مكافحة قوية تعبر عن نفسها بطريقة أو بأخرى في مجتمع قيد وسائل التعبير عن النفس وقصقص من أجنحتها. اعتدت ذلك الانبهار لكثرة عدد النساء الأردنيات البطلات المناضلات كلن من موقعها بشكل يومي مختلف من إمرأة إلى أخرى. ليلة أمس، حملتني لانا معها إلى مستوى آخر من الانبهار. إعجاب كبير سمرني في مقعدي مذهولا مشدودا كأنني في حضرة شيء مقدس، كأن خشبات المسرح هيكل كنيسة وكأن جسد لانا ناصر وكلامها آلهة متحركة تحمل من الهم الانساني ما لا يعيه العديد منا.

لعبت لانا في مسرحيتها الحقيبة الحمراء مونودراما رائعة. بنت على مفهوم الهوية وعلاقته باللغة والثقافة والتاريخ. تحولت بجسدها إلى أشكال مختلفة من النساء وانتقلت إلى أماكن عديدة حول الكرة الارضية. أماكن لم تحمل بعدا مكانيا فقط بل أيضا بعدا زمانيا رسم مع حركات لانا الجسدية صور حزينة للأبعاد المشكلة لطبيعة المرأة العربية المسلمة اليوم. خشبة المسرح التي حملت ديكور بسيط وحقيبة حمراء نقلت صورة واقعية عن عالم اليوم بايماءات بسيطة على لسان البطلة. فلانا لم تتحول بجسدها فقط بل أيضا بلسانها اللذي أضاف أبعاد لغوية أعطت عمقا كبيرا للمعاني الكثيرة التي حملتها المسرحية. تنقلت لانا من لغة إلى اخرى راسمة بلسانها الحمل الثقافي للغة ومصورة لنا اختلاف معاني الكلمات وتراكيبها اللغوية عند ترجمتها، فهي بالعادة تخرج من سياقها تبعا للثقافة السائدة لحال متكلمي تلك اللغة.

لم تكتف لانا بكشف الاختلافات اللغوية بين الثقافات بل ابحرت فينا برحلة داخل معجم اللغة العربية وما يحمله ذلك المعجم من كنوز تعرف كل ما له علاقة بالذكر والانثى والعروبة والإسلام. كم أحزنني كشفها للانحياز الصارخ للغة العربية للذكورة على حساب المرأة. للحظات شعرت بنفسي تجاهد لمقاومة الدموع مع تردد الكلمات المختلفة المتحيزة إلى الذكر بحيث بدا أن اللغة العربية لغة ذكورية بحتة وبأن الواقع الحالي الظالم للمرأة العربية ما هو إلا انعكاسا لتاريخ طويل من السيطرة الذكورية ترسخت بإحدى أهم أدوات التواصل الانسانية، لغتنا!

الحقيبة الحمراء عرضت على مسرح البلد كآخر عرض لفعاليات مهرجان آت المسرحي الذي انطلق بمناسبة الاحتفالية بيوم المرأة العالمي الأسبوع الماضي. تلك الحقيبة كانت قد فازت بجائزة ايتل عدنان الشهر الماضي بجدراة واستحقاق فهي تحمل عمق نصي وأداء تمثيلي رائع.

المسرح الاردني مسرح متواضع لكن المواهب الاردنية حاضرة للإبداع بعض النظر عن محدودية الموارد والوسائل المساعدة. لانا ناصر مبدعة اردنية!