مدرسة الروابي للبنات، انتاج أردني على مستوى عالمي


نهاية حزينة ومؤثرة تختم حلقات مسلسل مدرسة الروابي بطلقة مدوية تترك المشاهد مصدوماً مكلوماً على شخصيات لم نستطع ألا نحبها ولا أن نعيش معها صراعها المدرسي والعائلي الشبيه، على أصعدة، مختلفة ما يعيشه طلاب وطالبات المدارس في عمّان. ومع أن المدرسة التي تدور فيها الأحداث تعكس حياة طبقة معيّنة من المجتمع إلا أن القضية الأهم في المسلسل وهي التنمّر في المدارس تطال كافة شرائح المجتمع على مستوى العاصمة والمملكة. فمن منَا لم يتعرض للتنمّر في المدرسة أو كان شاهداً عليه؟ ومع أن النهاية جاءت مرتبطة بسير الأحداث ونتيجة للعنف المجتمعي الأعم من العنف المدرسي في القصة، إلا أنها تسلط الضوء على قضية مهمة أخرى، وبذكاء كبير، تترك المشاهد يربط بين العنف المنزلي الممارس على أطفالنا ونتيجته في ساحات المدارس ومعارك الصفوف المدرسية. ليان لعبت دور المتنمرة الشريرة، لكنها ملكت قلوبنا في النهاية.

ولا يغيب عن المشاهد الحرفية العالية في تصوير الحلقات من جودة صورة وسيناريو وحوار وتمثيل، مسلسل أردني على مستوى عالمي يليق بجودة الأعمال التي تعرضها منصّة نتفليكس. الحس الفني عالي من الديكورات إلى ملابس الممثلين وحواراتهم وحركاتهم التمثيلية والموسيقى التصويرية والأغاني المختارة. جميعهم أبدعوا دون استثناء وأظهروا أننا في الأردن قادرون على صناعة دراما عالمية، وأن هنالك جيل كامل من الشباب الكفؤ القادر على سرد قصص مختلفة وجديدة ومهمة.

تيما الشوملي وشيرين كمال

في الحقيقة فإن تيما الشوملي مجتهدة و”شغيلة” ومبدعة وذكية جداً، وتشكل حالة خاصة في الدراما الأردنية نحن بحاجة لها. أبدعت في مسلسل “في ميل” بأجزائه الثلاثة ومسلسل زين، وها هي تعود لتنتج أفضل أعمالها إلى اليوم، وتشكل ثنائي رائع مع المبدعة شيرين كمال، شريكتها في الفكرة وكتابة وتطوير السيناريو.

لا يسعني هنا ذكر جميع العاملين على المسلسل ولا كافة أسماء الممثلات المبدعات، ولكن علينا أن نعي اليوم أنه أصبح لدينا كادرًا محترفاً من صانعي الدراما، مبشراً بأعمال قادمة ننتظرها.

مبروك للأردن

نص قصير من رواية إبرة وكشتبان


تحت ضوء الغرفة بانت لي هيئته أكثر وضوحًا

“يا مساء الورد”، لمعت عيني تحت ضوء القمر. 

تقدّم بثباتٍ واعتدادٍ بالنفس مبتسمًا. وعلى خلاف العُرف المتداول بعدم جواز مصافحة الطِوال للِقصار، مدّ يده ناحيتي بوضوح. ومع أني تفاجأت من حركته تلك وترددت في مد يدي بالمقابل، إلا أن جرأته جذبتني. صافحته وأنا أتلفّت حولي لأتأكد من أن لا أحد من الجيران يتلصص علينا.  

“تفضّل”، أشرت له بالدخول من باب طِوال القامة الضيق الواقع على الجانب الأيمن من المنزل. عدت إلى الداخل كي استقبله في غرفة طِوال القامة من الزوّار.

أسرعت إليه وأنا أتساءل عن سر قدومه في هذا الوقت من المساء الذي يحظر فيه خروج الطِوال من منازلهم دون مرافق. 

“أهلًا وسهلًا”، رحّبت به مجددًا وسألته: شاي أو قهوة؟

اختار شايًا كما يفضل الطِوال فطلبت من مساعدتي تحضيره.  

لم يكن قد جلس بعد مما سمح لي بتأمل قامته وهندامه. وتحت ضوء الغرفة بانت لي هيئته أكثر وضوحًا. عرفت فورًا أنه يحمل بعض الغرابة؛ للوهلة الأولى يبدو طويلًا، لكنه في الحقيقة أقرب إلى توسط الطول ويحمل سمات خليطة بين ما يعرّف الطِوال وما يعرّف القِصار. جسده لا هو نحيلًا كما هي أجساد الطِوال ولا هو مربوعًا كالقِصار. رأسه حليق الشعر بلا عمامة تغطيه تمامًا كما تعوّد الطِوال حلق رؤوسهم. عيناه عسليّتان واسعتان يعلوهما في منتصف جبهته خط الحِنّة العمودي المعتاد مرسومًا بدقة وانسياب ومذهّب ليدلّ على خلفيته الاجتماعية الراقية. أما ثوبه فكان أزرقًا سماويًا تقليديًَّا راقيًا، لكني لاحظت أن انسداله تحت معطف الصوف الذي يغطيه لا يخفي تمامًا سمك عظام جسده. 

نظرت إلى قدميه فوجدت أنه لم يكن قد خلع حذائه بعد.

ترددتُ في التعليق لكني قلت لنفسي: إن لم يخجل هو من فعلته وهو الضيف في منزلي، لما أخجل أنا عن تنبيهه؟

ومع أني كنت أعرف أنها عادة قديمة لا يحبّها طِوال القامة، لأنها تسحب منهم بعض الطول، وشيئًا من اعتزازهم بأنفسهم، إلا أني كنت أؤمن أن خلع الأحذية على الباب قبل دخول المنزل هو عرف متوارث يحافظ على نقاء البيت واحترام أهله. وذلك أمرًا لم أكن أتنازل عنه.

أشرتُ إلى ناحية الباب وقُلت: خزانة الأحذية. 

“آه متاسف” 

شعرت بحرجه وهو يقترب من الخزانة ويخلع حذاءه ببطء شديد وكأني طلبت منه أن يخلع ثوبه. 

وقف أمامي منكمشاً على نفسه. خجلًا ومنتظرًا ردة فعلي. 

نظرت إليه من جهتي مشدوهة مما كنت أرى أمامي. فبعد أن سُحب الحذاء من قدميه، بدا لي أن طوله لم يعد يصل إلى الحد الأدنى المتعارف عليه لطِوال القامة.

وهو كذلك لم يكن قصيرًا كفاية ليعد واحدًا منّا.

كان متوسّط الطول، ضمن ذلك النطاق المحرّم نادر الوجود سوى لدى الملاعين من البشر.

 

زغموت بتخيّل النوع الإجتماعي مقسّم حسب طول الفرد في روايته الجديدة “إبرة وكشتبان”


أعلن الكاتب الأردني فادي زغموت اليوم عن صدور روايته الجديدة التي تحمل عنوان “إبرة وكشتبان” من خلال موقع جملون الإلكتروني لبيع الكتب. تعالج الرواية موضوع النوع الإجتماعي من خلال فكرة مبتكرة.

تدور أحداث الرواية في مجتمع خاص يكون فيه التقسيم الأساسي للبشر هو الطول، ويصبح فيه الجنس صفة ثانوية. لذلك تتكون الهوية الجندرية للأفراد وتفصّل الأدوار الاجتماعية بناء على طول الفرد. وكحال أي تقسيم اجتماعي، يعاني هذا العالم من ظلم وتهميش لفئات وامتيازات تعطى لفئة على حساب أخرى. في “إبرة وكشتبان”، تكون الفئة صاحبة الامتياز هي فئة قصار القامة. القصة الأساسية مبنية على علاقة حب تجمع بين الراوية الخيّاطة قصيرة القامة وطولان متوسط الطول المنبوذ من المجتمع.

في تقديم الرواية يقول الكاتب، “أعتبر نفسي ناشط اجتماعي نسوي، لدي شغف للدفع نحو عدالة اجتماعية أكبر ترسّخ من المساواة الجنسية وتكسر الأدوار الإجتماعية الضيّقة. وخلال السنوات الماضية لاحظت أن مفهوم النوع الاجتماعي أو الجندر بعيد عن العامة، فهنالك صعوبة في التفريق بين الجنس كنوع بيولوجي وبين الجندر كنوع اجتماعي. ومن قراءاتي للنظريّات النسوية جاءتني الفكرة لتخيّل هذا العالم الخاص الذي يتطوّر فيه الوعي البشري ليقسم البشر حسب طول قامتهم عوضاً عن جنسهم البيولوجي. الرواية تحمل اسقاطات كبيرة على الواقع. آمل أن تضيف إلى النقاش حول النوع الاجتماعي في الأوساط النسوية والعامة”. 

هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها زغموت بنشر روايته ذاتياً عن طريقة خدمة الطباعة حسب الطلب التي تتيحها جملون لعملائها، وفي هذا الصدد علّق قائلاً، “يسعدني التعاون مع موقع جملون في هذا العمل. هذه أول تجربة لي مع النشر الذاتي ومتحمّس لها جداً. جملون يعد أهم المواقع العربية لبيع الكتب وتأمينه لهذه الخدمة يعد ثورة حقيقية في عالم الكتب وخيار جديد متاح أمام الكتّاب العرب”. 

بالإضافة إلى سهولة النشر والطباعة والبيع من خلال موقعهم، أعلن زغموت عن طرح الرواية بخيارين مختلفين لتصميم الغلاف الخارجي، بعدما أطلق تصويت على صفحته على الانستغرام وجمع آراء مختلفة من القراء. قرر توفير الغلافين كخيارين مختلفين عند طلب الرواية في سبق خاص،  وذلك ما تتيحه بسهولة خدمة الطباعة حسب الطلب التي توفرها جملون. 

يمكن طلب الرواية من خلال موقع جملون

مشاركتي في مؤتمر نقاط للعقل المطاطي وكلمتي عن التقسيم المبني على النوع الاجتماعي


سعدت بالمشاركة في مؤتمر نقاط للعقل المطاطي الذي عقد في دولة الكويت في شهر نوفمبر الماضي حيث تعرّفت على العديد من الأشخاص الملهمين الذين تحدّثوا في مواضيع ابداعية مختلفة شيقة. يمكنكم الآن مشاهدة كافة الحوارات على قناة نقاط على اليوتيوب.

خلال مشاركتي قدّمت كلمة عن الرواية التّي أعمل عليها والتي تحاول أن تتخيّل عالماً يكون فيه تفسيم النوع الاجتماعي الأساسي مبني على الطول لا الجنس. شرحت فكرة العالم واسقاطاتها على واقعنا وكيف أنّ هذه الفكرة أتتني بعد سنوات طويلة من العمل في مجال الحريات الجنسية والحقوق الجسدية ومحاولة توضيح ما يعنيه النوع الاجتماعي (الجندر) والفرق بين الجندر كصفة اجتماعية والجنس كصفة بيولوجية. أترك لكم هنا الكلمة كاملة لمشاهدتها ويسعدني تلقي تعليقاتكم وأسئلتكم.

كذلك خلال المؤتمر شاركت في ندوة حوارية حول القيود والأعراف الاجتماعية وأثرها على حرية الفرد، يمكنكم مشاهدتها كاملة هنا:

طفح الكيل – انتفضن ونحن خلفكن


أدمت الجريمة البشعة بحق فاطمة أبو عكيلك قلوبنا جميعاً. نساءً ورجالاً. فلا يوجد إنسان عاقل قادر على تقبّل هذه الجريمة. لا مبرر لها. لا يمكن لنا استيعابها. كذلك لا يمكننا أن ننكر البعد الاجتماعي والثقافي الممهد لحصولها. ولا يجوز غض البصر عن استفحال الذكورية في مجتمعنا ووصولها إلى درجة الإجرام.

انتفضت نساء الأردن أخيراً ومعهن كل الحق بالانتفاض. طفح الكيل وقد آن له الأوان أن يطفح ويفيض. الإمعان بالظلم وصل إلى درجات لا تحتمل. المرأة معرّضة اليوم لكافة أنواع التعنيف والإذاء الجسدي واللفظي الذي قد يطال حياتها. وكل ذلك مبرر قانونياً واجتماعياً وثقافيّاً دون أي حماية حقيقية. وصمة العار جاهزة لدمغها. وشرفها هش سهل الخدش حتى دون أن يطال عذريتها. والوصاية الذكورية مطلية بغلاف أبوي زائف.

كنت في كل مرة تطرح مواضيع حقوق المرأة للنقاش. خصوصاً تلك المتعلقة بعدم المساواة في القانون. أتساءل لماذا تسكت المرأة الأردنية عن حقّها؟ أوجه سؤالي إلى تلك التي أخوض معها النقاش مستهجناً الحالة المرضية التي وصل مجتمعنا إليه. لماذا تسكتين؟ لما لا تنتفضي؟ لما لا تصرخي؟

وبعد ذلك أشعر بذنب يطالني لطرح تلك الأسئلة. فأي أبله أنا للتغاضي عن كمية النساء المناضلات اللواتي صرخن وانتفضن ودفعن الثمن خلال عقود من العمل النضالي لكي يبقى في مجتمعاتنا شيئاً من الإنسانية ولمسة من العدالة. أي أبله أنا لأوجه إصبعي نحو النساء متّهماً إياهن بالتقصير في حين نعمل جميعاً، نساء ورجالاً، على ترسيخ ذكورية موروثة وثقافة بالية.

نعم انتقضت النساء. نعم طفح الكيل. ونعم علا صوتهن. فلا يجوز السكوت بعد اليوم. فنحن اليوم أمام استحقاق مدني. أمام قرار انساني بمراجعة قيمنا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا وديننا وقوانيننا بمنظار عصري يحمل شيئاً من العدالة الاجتماعية. ويعترف بالمرأة ككيان مستقل شأنها شأن الرجل. مساو له في الحقوق والواجبات.

المرأة الأردنية اليوم غير الأمس. واعية لحقوقها. واعية لقدراتها. وواعية لقوّتها وقدرتها على الاستقلال. وإن علت بعض الأصوات الجاهلة، بترديد اسطوانة الخطاب الذكوري المعتاد، “ليست من عاداتنا أو قيمنا أو ثقافتنا”. فلنا أن نرد عليهم ونقول أنه حان الوقت لتغيير العادات وتبديل القيم وتقليم الثقافة. فالظلم لم يكن أبداً من شيمنا.

انتفضن ونحن خلفكن.

في الممنوع – حلقة الروائي الأردني فادي زغموت


“ليلى والحمل” هو عنوان الرواية الممنوعة للروائي الأردني فادي زغموت وهي الثالثة بعد “عروس عمان” و”جنة على الأرض”. تناول زغموت أسباب منع كتابه بموجب قرار شفوي بسبب اغتبار الكتاب خادشاً للحياء، وتوسع في شرح مفهومه للهوية الجندرية، كما تطرق في الجزء الثاني إلى جرائم الشرف وتراجعها بعد إلغاء المادة 308

تقبّل الآخر ضرورة عصرية


.هذا المقال مشاركة من المحامي الصديق محمد مازن الناصر

عندما تمر كلمة “تقبل” على مسامعنا للوهلة الأولى نتفاجئ بأن الجميع يبادر بالادعاء انه يتقبل الغير، وعند الغوص في ذاك المفهوم تبدأ الصراعات المعلنة وعلى افضل حال يكون صراع داخلي، يتباهى العديد بتقبل المماثل. مفهوم التقبل أوسع من فقط تقبل الأديان أو المعتقد أو عرق؛ فان وجدنا شخص متقبل لدين مختلف ولا يتقبل اختلاف العادات فهذا ليس من قبيل التقبل

التقبل وأشكاله

إن التقبل لا يحتوي على مثال واحد فقط، بينما التقبل وعدم الوصمة والتمييز بالاضافة الى عدم الحكم ضد الاخرين هو أساس رقي أي مجتمع، مع تسليط الضوء في هذا الصدد على أن روح التقبل تكمن بمن لا يؤذي الاخرين وبمن لا يمس بكرامة أي شخص فلا نستطيع أن نعتبر من يملك معتقدات اجرامية يشوبها قتل الاخر أو سرقة الاخر بأن ذلك حرية معتقد أو توجه فكري، أما ما دون ذلك فأي معتقد أو تصرف تحت ظل القانون محمى بموجب جميع النصوص الدستورية والقانونية. فكيف لهذا الشخص الذي يحكم ضد المختلف أن ينصب نفسه الحاكم والجلاد ؟ إن عدم التقبل يؤدي إلى ازدياد نسبة الجريمة وذلك في قمة الخطورة على مجتمعاتنا.

كم سمعنا عن تلك “المطلقة” والتي وصِمت فقط بسبب عدم اتفاقها مع الشريك بمؤسسة الزواج، كم سمعنا عن وصمة العار ضد تلك “المحجبة” أو تلك “الغير محجبة” أو ذلك “المتعايش مع فيروس نقص المناعة المكتسب” أو التمييز ضد “أصحاب البشرة السمراء”، أو أي توجه مختلف، كم سنجد أراء مضادة ولربما أن يهدر دم ذاك المختلف. حيث أن عدم التقبل يزيد من الجرائم.

التقبل والجريمة

عدم التقبل و الوصمة والتمييز ضد المختلف، يوقع المجتمع بزيادة نسبة الجريمة، وكم سمعنا بكل ألم عن تفجير رموز دينية أو قتل أشخاص بسبب اختلاف المعتقد، كم سمعنا عن الجرائم تحت داعي الشرف وازهقت أرواح بكل أنانية بسبب عدم التقبل، كم سمعنا عن دعوة للتحرش بإناث بسبب لباسهن وكم أن ذلك محزن أن نجده في وطن يسعى للانتاج ويسعى للتطور. وكل ذلك يحد من جمال مواد الدستور الأردني.

التقبل في الدستور الأردني

عندما نبحر بين نصوص الدستور الأردني سنستـمتع بمواد تعطي حرية للمواطنين بشكل لطيف جدا، فبداية أن جميع الأردنيون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين؛ كما نصت الفقرة الأولى من المادة السادسة من الدستور الأردني، رغم العديد من المطالبات لتوسعة دائرة الاختلافات حتى لا نقع في زاوية التفسير الخاطئ.

أما المادة (7) فقد نصت بوضوح بأن الحرية الشخصية مصونة وأن كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون.

مرورا بالمادة (8\1) تنص بوضوح بأنه لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقييد حريته إلا وفق أحكام القانون.

وكم أنني معجب بتلك المادة (14) التي تنص على أن الدولة تحمي حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا للعادات المرعية في المملكة ما لم تكن مخلة بالنظام العام أو منافية للاداب ولا زلت أتمنى أن نلغي تلك الجملة المطاطية (النظام العام أو الاداب العامة) ومن قال بأن الأداب متشاركة أو متشابهة مع الجميع و كم أن هذه الجملة واسعة التطبيق حيث أنه من المنطقي جدا بأن نجد أخوين كل منهما لديه اداب وأنظمة مختلفة، فما أجمل لو قام المشرع بتفسير هذه الجملة.

أما المادة (15) فكان لها رفع القبعة احتراما:

    1. تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون.
    1. تكفل الدولة حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي والرياضي بما لا يخالف أحكام القانون أو النظام العام والآداب.
    1. تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون.
  1. لا يجوز تعطيل الصحف ووسائل الإعلام ولا إلغاء ترخيصها إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون.

ما أجمل هذه الشعارات، ما أجمل أن تطبق في الواقع وما أجمل أن نجد مجتمع مليئ بالحريات حرية المعتقد وحرية التعبير وحرية الرأي كما أنه بوضوح ربط المشرع الحرية في البحث العلمي مما يؤثر مباشرة على النتاج للدولة.

التقبل والانتاج

عدم التقبل هو خطر مؤثر بشكل مباشر على انتاج الدولة فكيف لنا أن نزيد نسبة الانتاج لأشخاص يهدرون الوقت لاثبات انهم على حق وأي شخص مخالفهم الرأي بأنه جاهل أو أن رأيه مغلوط دون الاستناد إلى أي رأي علمي فقط لمجرد الاختلاف، وهؤلاء لديهم القدرة على إضاعة أيام وشهور فقط لغايات اثبات أنه أفضل من أي شخص دون أن يقوم بأي انتاج.

إن أساس الإنتاج هو أخذ المواد الخام وتحويلها الى مواد تصلح للاستهاك لغايات تحقيق المنفعة والفائدة للمنتج، وذلك يتطلب مجهود وتخصيص وقت وتركيز حتى نصل الى مجتمع منتج. أما في ظل عدم التقبل، يكون من الواضح أن الأولويات تكون لغايات الحكم ضد المختلف وازهاق الوقت بالوصمة والتمييز وذلك بتدخل غير منطقي في خصوصيات و\أو معتقدات الأشخاص مما يعتبر لا أخلاقي.

وفي النهاية فان التقبل هو مطلق طالما أن روحه هو عدم ايذاء الاخرين ولا يوجد استثناءات طالما بأن روح التقبل موجودة، لا للوصمة ولا للتمييز، لا لعدم التقبل ولا للحكم ضد الاخرين ودائما نسعى لايجاد مجتمع منتج خال من الوصم والتمييز فالوصمة تقتل الأمل، ولا بد أن نرى الأمل ينيير طريقنا نحو الانتاج.

المـحـامـي

مـحـمـد مـازن الـنـاصــر

اقتباسات من رواية ليلى والحمَلَ


صدرت روايتي الثالثة “ليلى والحمل” عن دار كتب خان في مصر قبل شهرين تقريباً، وهنا أشارككم بعض الاقتباسات التي اخترتها من   الرواية. يمكنكم تحميل الكتاب الرقمي من موقع جوجل ريدز، أو طلب الرواية من جملون أونلاين أو من مكتبات كتب خان في القاهرة.

 لكني في تلك الليلة لم أكن ملكة بل كنت عروساً عادية، أو لنقل إن الملكة في داخلي كانت مقيدة بحبال الخجل وأربطة الثقافة الاجتماعية وكلبشات عدم الخبرة وقصور المعرفة الجنسية. لم يرشدني أحد إلى أهمية التوافق الجنسي في العلاقات الزوجية من قبل، ولم يخبرني أحد أن المرأة قد لا تستسيغ الجانب السلبي منها. وزوجي كان قد ورث ذكوريته بأمانة وتشبّع بدوره في العلاقة الزوجية قبل أن يخطوها، لذلك فقد كانيتوقع أن يتمّها كما يقتدي العرف وتقر العادات وتنطق التقاليد.

LailaQuote4

وأنا كنت امرأة مفترسة بدوري. لا أستسيغ لعبة المطاردة إلا عندما أكون أنا من يطارد. أي عندما أكون أنا من يكسر شوكة الرجل ويحوّله إلى حمل وديع خاضع لي.

LailaQuote1.png

وقد كان يزعجني تطوّر علاقتنا ليصبح الحكم الفاصل بيننا هو نوع كل منّا الاجتماعي، وكنت أكره ذلك الرابط العجيب الذي نما ليرسم علاقة عكسية بين حرياتي التي تعودت ممارستها بشكل طبيعي فيالسابق وبين تصوّر فراس انعكاسها على رجولته.

LailaQuote6

 كان كغيره من الرجال يرى في نفسه القائد المهيمن في أي علاقة تجمعه بالمرأة. وكان، مثلهم، يحاول استغلال الأدوات الاجتماعية التي أوجدها أسلافه لمصلحة بني جنسه لفرض سيطرته علي. لكنه لم يكن يدرك أنني، مثل غيري من النساء، لم أكن أصدق تلك الأكاذيب الاجتماعية.

LailaQuote3

حملني فراس بين ذراعيه على باب جناح العرسان الجدد في فندق الشيراتون على الدوار الخامس. أراد أن يبدأ حياتنا الزوجية بتلك الحركة المعتادة التي يقوم بها الرجال في المسلسلات والأفلام يوم الدخلة. وقتها كنت أرى البعد الرومانسي للحركة من كلام غير منطوق يقر إعلان الرجل استعداده الجسدي والنفسي لفعل أي شيء من أجل راحة عروسه. لكني بت أراها فيما بعد كأول خطوة يعلن بها الرجل عن سطوته الجسدية على زوجته ووصايته عليها، فهي تدخل حياتها الزوجية بتخليها عن أقدامها، تتعلق برقبة زوجها تاركة له دفة قيادة مستقبلها.

LailaQuote8.png

أعتقد أن كلينا لم يكن حاضرًا للعلاقة الزوجية ومتطلّباتها. فقد دخلها هو بالعقليّة ذاتها التي تربّى عليها وشهدها بالعلاقة بين أمه وأبيه، وأنا دخلتها بالعقلّية التي تربّيت عليها وشهدتها بالعلاقة بين أمي وأبي. ومع أنه كان من الطبيعي تقسيم المهام بين أيّ فردين يحملان مسؤولية معيّنة حسب رغبة كل منهما وقدراته، إلا ّ أن التقسيم المسبق لتلك الأدوار من منطلق اجتماعي متوارث على أساس جندري وتحميلي أعباء الأعمال المنزلية كافة فقط لأني أنثى كان يستفزّني.

LailaQuote5

 أعتقد أن تلك الفترة شهدت بدايات انتشار الفكر الوهابي في المنطقة العربية وتراجع وانحدار المجتمعات العربية نحو التطرّف الديني وتضخّم السطوة الذكورية. ومع أن تلك المجتمعات وتحديدًا المجتمع المصري كانت أكثر انفتاحًا وتحررًّا في عقدي الستينيات والسبعينيات، الفترة التي شهدت الثورة الجنسية في الغرب وحركة الحقوق المدنية التي كان لها أثر قويّ على الثقافة العربية وعاشتها نادية في بداياتها السينمائية، إلا ّ أن تلك المجتمعات التي كانت ما تزال وإلى اليوم تعاني من التبعية الثقافية للغرب ومتمسكة بتراثها الذكوري، كانت حاضرة لاحتضان الفكر المتطرّف الذي وصلها مطليّا بتشويه تاريخي لحالها الماضي، ومدعومًا بقرار سياسي طبخ في الغرب من أجل محاربة المد الشيوعي في المنطقة.

LailaQuote7.png

كنت أتمنى لو كانت هنالك نصوص لأفلام تعرض نماذج لنساء جبارات دون الحاجة إلى تبرير جبروهن بتعرضهن لظلم اجتماعي معيّن. فجبروت الذكور لا يحتاج إلى تبرير في الثقافة العربية. لماذا تحتاجه النساء؟لماذا احتاجت ”زنوبة“ ذلك التبرير في حين لم يحتجه سي السيّد” أحمد عبد الجواد“ في ثلاثية نجيب محفوظ؟

LailaQuote2.png

دور هيئة الإعلام الأردنية ومنع الكتب في 2018


يؤسفني قرار مديرية المتابعة في هيئة الإعلام الأردنية منع روايتي الجديدة “ليلى والحمل” من دخول السوق الأردني على مستويين، ككاتب أردني وكمواطن يؤمن بحرية التعبير وحق الفرد بالوصول إلى المعلومة دون وصاية أو رقابة حكومية.

ومع تفهّمي لدور هيئة الإعلام الأردنية وواجبها الوطني في بناء نظام إعلامي حديث يتماشى مع سياسة الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي التي ينتهجها الأردن كما تقر الرؤية الملكية للإعلام المنشورة على موقع الهيئة الإلكتروني، إلاّ أني أجدني اليوم في موقف التشكيك، لا في .نزاهة الهيئة، بل في آلية عملها ونهجها لتطبيق هذه الرؤية

لذلك ارتأيت أن أطرح هنا بعض النقاط للنقاش العام لعلّنا نستطيع الوصول لتوافق يراعي روح العصر وينصف الأدب والأدباء ويحترم عقل المواطن الأردني.

كنت قد قمت بزيارة هيئة الإعلام الأسبوع الماضي لمناقشة أسباب منع الرواية. وللأمانة استقبلني مسؤول مديرية المتابعة بحفاوة وانفتاح واحترام (كل الاحترام والمودة لشخصه الكريم)، وهو كذلك لم يبخل عليّ بوقته ولا بصراحته بوجوب منع الرواية من وجهة نظره. كما أنه شرح لي بأن قرارات المنع تكون في الغالب مستندة على نصوص قانونية لا آراء شخصية لموظفي المديرية. وبالنسبة لرواية “ليلى والحمل” قال أنهم وجدوا فيها “وصف للعملية الجنسية وألفاظ بذيئة وأفكار بعيدة عن مجتمعنا”، لذلك فقد استوجبت المنع لأنها تخالف القانون الأردني الذي يمنع الكتب التي تحتوي على “عبارات منافية للأخلاق والآداب العامة”.

أعتقد أنه علينا أن نقف أمام هذه العبارة في القانون ومدى صلاحية تطبيقها على الأعمال الأدبية والفنية، فهي قد تصلح للحكم على مقال صحفي يخاطب العامة لكنها لا تصلح للحكم على عمل أدبي أو فنّي يحاكي الواقع ويحاول رسم شخصيّات روائية متكاملة قد تعيش حيوات لا أخلاقية وتقوم بأفعال منافية للأخلاق وتنطق بعبارات مخالفة للآداب العامة.

كذلك علينا أن نعي المدى الشاسع الذي تنضوي تحته الأخلاق والآداب العامة وتجنب الوقوع في فخ اختزالها في “المسبّات” والأمور الجنسية. فالأخلاق العامة تحتّم علينا احترام حرية الفرد بالتعبير وتوجب علينا التمسك بواجباتنا الأخلاقية بالمطالبة بعدالة اجتماعية تنصف كلا المرأة والرجل وتعيد تصويب التشويه الاجتماعي الحاصل لحال المرأة نتيجة جهل عام في كينونتها وجنسانيتها. فالثقافة الجنسية غائبة عن مدارسنا وهي كذلك محاربة في كتبنا. وفعلاً، استخدم في “ليلى والحمل” اسلوب نسوي قد يكون راديكالي بعض الشيء في الأدب بغية موازنة التطرف الذكوري المسيطر على ثقافتنا. والقصة تحتوي على بعض المشاهد الجنسية المهمة لبنائها الدرامي وهذه المشاهد كتبتها بشكل مختصر يحمل بعض الجرأة وبهدف توعوي لا اباحي. فالشخصية الرئيسية في الرواية هي امرأة تحب السيطرة في علاقاتها الجنسية وتعاني من علاقتها مع زوجها. والرواية تسلّط الضوء على حياتها الخاصة والعامة وتحاول قراءة العلاقة بينهما ولربّما تحاول تصويب الفكر العام السائد الذي يقر بأن النساء خاضعات بالجنس بالعموم ويربط بين خضوعهن بالجنس وواجب خضوعهن في الحياة العامة.

قد يكون الطرح جديد في الأدب الأردني، ولكني أجد أنه من الخطأ الحكم على الأفكار المطروحة بمنطق بعدها وقربها من مجتمعنا. فما هي وظيفة الأدب إن لم تكن طرح أفكار جديدة ونقد للفكر السائد؟ وكيف تتطور المجتمعات إن انغلقت على نفسها ومنعت من مناقشة أفكار غريبة عليها؟ أيمنع الرقيب كل فكر جديد بحجة بعده عن مجتمعنا؟ ولماذا لا نترك للمجتمع أن يقرر ما يناسبه، فيقرأ ما يريد ويترك ما يريد، دون وصاية حكومية مقتصرة على أفراد في دائرة واحدة قد يكون لديهم فكر وأخلاق خاصة بهم؟

كذلك أجدني هنا أطالب بمراجعة تطبيق هذا القانون على الأعمال الأدبية، فكيف لنا أن ننتج أعمال أدبية تحاكي الفساد الموجود في المجتمع بكافة أشكاله دون خدش للحياء العام؟ كيف لنا أن نصف حياة قاتل أو سارق أو مغتصب أو سارق أو مدمن للمخدرات أو إرهابي أو أو أو دون نقل صورة حقيقة لحيوات هؤلاء الأشخاص التي تكون في الغالب بعيدة عن الأخلاق والآداب العامة؟ أليس الأولى بنا الإقرار بأننا بتطبيق هذا القانون على الأعمال الأدبية نقتل الرواية الأردنية ونحد نموها وانتشارها؟ فكيف لنا أن ننجح في خلق صناعة وطنية ابداعية تسخر طاقات الشباب وتساهم في انتعاش الاقتصاد ونحن نحارب انتاجاتنا الابداعية بعقلية زمن غابر؟

المؤسف أن منع الروايات من دخول الأسواق الأردنية مازال يطبّق في وقت تنتشر فيه الانترنت وتصل إلى كل بيت وكل هاتف محمول دون رقيب أو حسيب. فالكل يعلم بأن الإنترنت فضاء مفتوح، والمواقع الاباحية ليست محجوبة في الأردن، كذلك فإن أي فرد منّا يمكنه الوصول إلى أي معلومة يحتاجها كانت قريبة من أفكار المجتمع أم بعيدة عنه وهو جالس في غرفة نومه. المواطن الأردني لا يحتاج إلى القيام بأي مجهود للوصول إلى المكتبة والبحث عن كتاب معيّن يحتوي على ما عبارات مخالفة للآداب العامة، فالانترنت مفتوحة لذلك. كذلك فإن الكتاب الرقمي، وكذلك الصوتي، أصبحا متوفرين اليوم، وإن كان الرقيب يملك الأدوات والسلطة على منع الكتب الورقية، فهو مازال عاجزاً عن تقييد الحريّات الموجودة على الانترنت. وإن كانت الحكومة تعي أن مجتمعنا قد وصل إلى مرحلة من النضوج ترفض الوصاية على المحتوى وحق الوصول إلى المعلومة على الانترنت، لماذا مازالت ساكتة عن تصحيح عمل دوائر مهمة تعمل بعقلية قديمة؟

للأسف فإن منع الكتب يعد منعاً شكليّاً اليوم، يضر بصناعة الكتب ويحد من الإبداع ويحبط الأدباء، لكنه لا يمنع الكتاب من الوصول إلى القاريء.

كذلك فإني استغرب اسلوب التواصل الذي تتبعه الهيئة لتبيلغ المعنيين بقرار المنع، فهم يعلنون ذلك هاتفيّاً ويرفضون تسليم قرار المنع بشكل مطبوع. وقد قمت فعليّاً بطلب بتقديم طلب لاستلام كتاب المنع رسميّاً وقوبل طلبي بالرفض من قبل الهيئة. كيف يستقيم ذلك دون توضيح اسباب المنع كتابيّاً ليتسنى للكاتب أو دار النشر تقديم اعتراض عليه؟

أتمنى أن تعيد هيئة الأعلام الأردنية مراجعة عملها ليتناسب مع روح العصر كما تقر الرؤية الملكية للإعلام، فالمنع وتقييد الحريات ووأد الابداع لا يتناسب مع الواقع الحالي لمجتمعاتنا ولا يساهم في تحقيق التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نطمح لها.

 

عن رواية ليلى والحَمَل


أردت أن أحضنه بدلا من أن أتركه يحضنني. مررت أصابعي على شعر رأسه بحنان وأنا أفكر بطبيعة علاقتنا وبعدم توافقها مع الشكل العام للعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة في الثقافة العامة. فكيف لرغباتنا أن تكون بهذا التناقض مع المقبول والمتعارف عليه اجتماعيا؟ ولماذا تشجّع الثقافة العامة كل النساء للخضوع لرجالهن بالجنس وخارج الجنس في حين يوجد العديد من الرجال الذين يثيرهم العكس؟ والغريب أن لا أحد يذكر ذلك وكأن صفة الهيمنة مرادفة للرجولة وكأن الخضوع سمة الأنوثة الأكبر.

رواية ليلى والحمل

سعيد جداً بصدور روايتي الجديدة “ليلى والحَمَل” عن دار كتب خان في القاهرة الأسبوع الماضي. فبعد حوالي سنتين من الكتابة وسنة ثالثة من البحث عن دار نشر مستعدة لنشر ومساندة لكتاب بهذا المحتوى وبعد أشهر انتظار عملية التدقيق والإخراج والانتاج، ها هو الكتاب مطبوع وجاهز للبيع في مكتبة كتب خان في المعادي وموقع جملون أونلاين وقريباً في العديد من المكتبات العربية.

في الحقيقة، فبعد نجاح روايتي الأولى “عروس عمّان” والردود القوية للمواضيع التي عالجتها وعشق عدد كبير من القراء لها، وبصفتي ناشط نسوي، مدفوع إلى الكتابة بشغف تحقيق المساواة الجندرية والحريات الجنسية والحقوق الجسدية (أمور أعتقد أن مجتمعاتنا العربية في أمس الحاسة لها) فقد كنت أفكر فيما يمكن أن أضيفه في رواية جديدة تعالج هذه المواضيع دون تكرار ما تكلّمت به في “عروس عمّان”.

fiftyفي ذلك الوقت كانت رواية إل جيمس “فيفتي شيدز أوف جري” منتشرة بشكل واسع، ليس فقط في الغرب بل في العالم العربي أيضاً. ولمن لم يقرأ الرواية (بأجزائها الثلاثة) أو يحضر الفيلمين المبنيين عليها، فهي تتطرق إلى علاقة غرامية بين شاب ناجح غني متسلط ومسيطر في الجنس وبين إمرأة شابة تقع في غرامة وتخضع لأهوائة وميوله بسبب حبّها له. لم يكن لدي اعتراض على الكتاب، أو محتواه، برغم تسطيح القضية في القصة، لكني شعرت بشيء من الاستفزاز لأن الثقافة العامة تؤمن بعمومية حق الرجل بقيادة العملية الجنسية وتعتبر دور المرأة سلبي في الجنس وتبني على ذلك حاجة المرأة للخضوع في الجنس وخارجه، وذلك بعيد كل البعد عن الحقيقة وعن طبيعة كل من الرجل والمرأة واختلافات الفرد ورغباته الجنسية المتنوعة. ومن هنا جاءت بدايات فكرة الرواية التي أردت أن أبدأ العمل عليها.

N11245328A_1كذلك، في ذلك الوقت أيضاَ، كنت قد حضرت فيلم بعنوان “جون جيرل“، معالج عن رواية بالإسم ذاته للكاتبة “جيليان فلين”. يطرح الكتاب شخصية إمرأة قوية، مجنونة إلى حد ما، تدفعنا للإعتقاد أنها ضحية جريمة قتل قام بها زوجها تجاهها، إلى أن نكتشف في نهاية الرواية بأن المرأة هي من خطط كل شيء بغرض التحكم والانتقام من زوجها. أعجبتني نهاية الرواية جداً، حيث يرضى زوجها بالعودة لها بعد أن تحمل بطفله، بما يعد طرح جديد للأدب حيث يضحّي رجل مظلوم معرض للتعنيف والأذى بحريته من أجل أبنائه.

استفزّتني تلك الرواية بالتفكير في طرح شخصية إمرأة قوية قد تكون هي المؤذية في علاقتها مع الرجل، لما لا؟ فهنالك نماذج لتلك النساء على الواقع. ومع بعض التفكير، بت أعتقد أن ٣٠ عاماً من النضال النسوي تحت خطاب يقر بأن المرأة “ضحيّة” قد يكون رسّخ فعلاً شيئاً من الوعي الثقافي فينا يقر بأن المرأة ضعيفة. وأنا لا أنكر هنا الأفضلية التي تمنحها مجتمعاتنا لذكورها ولا حقيقة ظلم المرأة في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والقانونية والأدبية والثقافية وغيرها، لكني أعتقد أننا، كنسويين، علينا تجديد الخطاب للتركيز على قوة المرأة وعلى قدراتها المختلفة كإنسانة. ولربّما، في وقت تضخّمت فيه الذكورية إلى حالات راديكالية متوحشة جسدتها داعش في المجتمعات التي حكمتها، فإن الوقت بات يتطلّب والمساحة أصبحت تستعدي وجود خطاب راديكالي نسوي.

24484974قرأت كذلك رواية للكاتبة الكبيرة حنان الشيخ إصدار دار الأداب اللبنانية بعنوان “عذارى لندستان“، وقد فاجأتني حنان بجرأة شخصياتها التي تصل إلى درجة الوقاحة. كيف تتلاعب إحدى الشخصيات النسائية في روايتها بالرجل المتدين الذي تمارس الجنس معه بحيث تجعله يعتقد أن عذزيتها عادت إليها بعد كل عمليّة جنس يقومان بها عن طريق وضع حبة فراولة في فرجها، تهكّماً من الكاتبة على هوس الرجل العربي المسلم في الجنس والعذرية وحور العين. شعرت بالرواية تحمل شيئاً من التطرف استوحيت بعضاً منه في كتابة روايتي.

أما الرواية الأبرز التي عرفتني على هذا النوع من الأدب الذي يندرج تحت نوع الأدب النسوي المتطرف فهي angelaللكاتبة أنجيلا كارتر بعنوان “ذا باشن أوف نيو ايف” (شغف حواء الجديدة). حيث تطرح في الرواية مجتمعاً نسائياً، وليس نسوياً، خالصاً، تسيطر فيه النساء بهرمية ذكورية وتعاقب فيه رجل كاره للمرأة بتحويل جنسه بعد عملية جنسية إلى أنثى وتركه يتعرض لما تتعرض له النساء في العادة من اعتداءات وأذية. أحببت الرواية جداً لما فيها من فكر وابداع وطرح.

في “ليلى والحمل” أردت أن أكتب رواية نسوية متطرفة تحاكي كل ذلك ولا أعرف إن نجحت في ذلك أم لم أنجح. فليلى في الرواية إمرأة أردنية لديها رغبة في قيادة العملية الجنسية والسيطرة على رجلها، وذلك شيء طبيعي لا متطرف، لكني وجّهت الرواية نحو معاقبة الشخصيات الرئيسية من الذكور وذلك ليس عقاباً للرجال أو كرهاً لهم من ناحيتي، بل عقاباً للفكر الذكوري والكشف عن ظلمه للمرأة والرجل على حد سواء.

كانت القصة الأبرز التي علْمونا إياها في طفولتنا تحمل اسم “ليلى والذئب“، وبالرغم أن الذئب في القصة لا يمثل الرجل (أو يمثله؟ لا أعرف) لكن القصة زرعت فينا فكرة أن ليلى ضعيفة وبحاجة إلى حماية. لذلك أردت أن أتحدى ذلك وأضيف صوتاً مختلفاً يحول القصة إلى “ليلى والحمل”.

فليلى تستحق ذلك.. والرواية العربية تستحق هذه النماذج.. والثقافة العربية بأشد الحاجة إلى إعادة التوازن بين الجنسين وتقبّل التنوع الجنسي الموجود على الأرض.

37208270_10156768865397018_5690616188690759680_n.png