إبرة وكشتبان، رواية تستحق القراءة.. مرّتين!


وصلتني هذه المراجعة الجديدة من نور مدرّس يكن لرواية إبرة وكشبتان، ويسرّني مشاركتها معكم. أحبّ مراجعات نور لرواياتي لأنها شاملة وتنم عن فهم عميق للرواية وأبعادها وما قصدت منها. لو كتبت المراجعة بنفسي، لم أكن لأغطيها بهذا الشكل!

بـ “إبرة وكشتبان” حاول  الكاتب أن يخيط فتقاً اجتماعياً كبيراً تشّكل نتيجة لاتّباع قواعد وعادات وُضعت للتمييز والفصل بين طبيعة البشر .كبر هذا الفتق وتطور بحيث شكّل قالبين لكل منهما شكل ومضمون محدّد يلزم صاحبه به منذ ولادته وحتى موته.لكي يخيط الكاتب هذا الفتق حبك قصة عن مجتمع افتراضي موازي لمجتمعنا قائم على تمييز أفراده وفق صفة وراثية غير جنسية وهي صفة الطول حيث تم توزيع الصفات الاجتماعية بناء على هذه الصفة البيولوجية لينتج عنه نمطين تقليدين للبشر، النمط القصير بصفات اجتماعية قوية ثابتة ومسيطرة و النمط الطويل بصفات اجتماعية مرهفة لطيفة وخاضعة.

درز القصة ببراعة عندما صوّر لنا قصة حب تنشأ بين النمط الأول من البشر التقليدي ونمط بشري محيّر غير تقليدي منبوذ من قبل النمطين التقليدين. تبدأ كقصة حب تقليدية يُفتح بابها عند أول لقاء للنظرات لكن تفاصيلها تذهب بنا الى بعد اجتماعي ثقافي غير اعتيادي لم أكن لأتوقع الوصول اليه في بداية الرواية.

في الثلث الأول من الرواية كان تسليط الضوء على النمط المحيّر الذي وبدون ذنب خُلق كذلك وكأن لعنة ما خُلقت لترافقه فيمضي حياته متخفّياَ خجلاً من وضعه كمن ارتكب جريمة وعليه أن يمضي حياته محاولاً اخفاء آثارها. ترافقه مشاعر مختلطة من الرغبة بحياة طبيعية كباقي البشر وخجل واحساس بالنقص والعار من وضعه ومحاولة التشبه بـأحد النمطين بهدف الاندماج في المجتمع.

في الثلث الثاني من الرواية تنتقل الأحداث لتشرح طبيعة كل من النمطين التقليديين بما يحمل كل منهما من صفات بيولوجية واجتماعية على كل شخص تقبلها سواء كانت موافقة لما يشعر به أم لا وتجهيز الإنسان منذ نعومه أظفاره للدخول بالقالب الخاص به ليتشكل على الهيئة المطلوبة منه. في هذا الثلث تتجسد قدرة الكاتب المدهشة على محاكاة الطبيعة البشرية في مجتمعنا واسقاط سيناريوهات يومية بسيطة بكل تفاصيلها على هذا المجتمع الافتراضي الذي خاطه بحيث يشعر القارىء بالقدرة على تخيل نفسه مكان الطرف المغاير له بالصفات والشعور بشعوره، الأمر الذي يسمح للكاتب بالانتقال الى الثلث الثالث والأخير من الرواية.

ثلث الانتفاضة على الواقع يأتي في النهاية بعد سلسة من الأحداث المشحونة وسرد وقائع لايمكن لأي شخص عقلاني التغاضي عن معناها ومزج هذه الأحداث مع مشاعر متضاربة من الحب و الصداقة والشهامة في مواجهة الأخلاق والقيم  والمبادئ . تبدأ الانتفاضة بانتفاضة الفكر فكيف لمنطق أن يتقبّل العنف من قصير ولا يتقبّله من طويل وكيف له أن يبرّر عمل معيّن لقصير ويستنكره على طويل. انتفاضة فكرية تدفع لثورة جسدية وانسانية كان عيبها الوحيد أنها غير ناضجة وولدت قبل أوانها فما استطاعت الصمود أمام العادات والتقاليد التي كسبت قوتها على مدار عصور وأجيال.

الأمر الذي دفع البطلة في نهاية القصة الى خلق مجتمع ذو قواعد مناسبة لها ولمن تحب، مجتمع خيالي يهب لهما ما اخذه منهما المجتمع الواقعي حتى لو ظلم أناس أخرون. فالتمييز صفة مجبولة مع البشر لا يمكن التغاضي عنها. إن لم يتم التمييز بالطول سيتم التمييز بالجنس وان لم يكن بالجنس سيميز بصفة أخرى. قد يكون الحل بجبل صفة الاحترام وتقبل الأخرين معها بحيث نحصل على مجتمع متوازن.

رواية تستحق القراءة………. مرتين.

One Comment

Do you have something to say?

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s